آخر الأخبار
- أبرز تدخلات وزارة التربية والتعليم العالي للأسبوع الماضي - الطلبة المرشحون للمنح الدراسية المُقدَّمة من مُنظَّمة COMSTECH، ومنح مؤسسة الخدمات في باكستان للعام 2026-2027 - فلسطين على منصة التميّز الجيولوجي عالمياً - نتائج معرض فلسطين للعلوم والتكنولوجيا 2026 - نتائج PISA 2025 في فلسطين - الطلبة المرشحون للمقاعد الدراسية في الأردن للدراسات العليا للعام 2026-2027 - العام الدراسي الجديد في أرقام - توفر عدد من المنح الدراسية في موريتانيا للحصول على درجتي البكالوريوس والدكتوراة في تخصصات مختلفة للعام الدراسي 2026-2027 - الطلبة المرشحون للمنح الدراسية في جامعة الإدارة والتكنولوجيا في باكستان لدرجة البكالوريوس للعام 2026-2027 - 43 معلمة فلسطينية يحققن شهادة_الجودة_الوطنية في e-Twinning - أبرز تدخلات وزارة التربية والتعليم العالي للأسبوع الماضي - الطلبة المرشحون للمنح الدراسية المُقدَّمة من مُنظَّمة COMSTECH، ومنح مؤسسة الخدمات في باكستان للعام 2026-2027 - فلسطين على منصة التميّز الجيولوجي عالمياً - نتائج معرض فلسطين للعلوم والتكنولوجيا 2026 - نتائج PISA 2025 في فلسطين - الطلبة المرشحون للمقاعد الدراسية في الأردن للدراسات العليا للعام 2026-2027 - العام الدراسي الجديد في أرقام - توفر عدد من المنح الدراسية في موريتانيا للحصول على درجتي البكالوريوس والدكتوراة في تخصصات مختلفة للعام الدراسي 2026-2027 - الطلبة المرشحون للمنح الدراسية في جامعة الإدارة والتكنولوجيا في باكستان لدرجة البكالوريوس للعام 2026-2027 - 43 معلمة فلسطينية يحققن شهادة_الجودة_الوطنية في e-Twinning
الإبداع في زمن الشاشات: المدرسة بين الغياب المكاني والحضور الرقمي
الصفحة الرئيسية الإبداع في زمن الشاشات: المدرسة بين الغياب المكاني والحضور الرقمي

الإبداع في زمن الشاشات: المدرسة بين الغياب المكاني والحضور الرقمي

مقالات

الإبداع في زمن الشاشات: المدرسة بين الغياب المكاني والحضور الرقمي

2026-04-20 202 المشاهدات

 

الإبداع في زمن الشاشات: المدرسة بين الغياب المكاني والحضور الرقمي

المرشد التربوي الأستاذ رامح مسمار

نابلس – فلسطين.

 

حين انتقل الفصل إلى البيت

في لحظةٍ لم يتوقعها أحد، وكأن العالم قرر أن يُعيد رسم خرائطه الداخلية، أُغلقت أبواب المدارس في وقتٍ واحد في معظم أنحاء المعمورة. كانت تلك اللحظة في مطلع عام 2020 بمثابة الصدمة التي أيقظت التعليم من سباته التقليدي العميق، وأجبرته على أن يُقابل نفسه في مرآةٍ لم يُطق النظر إليها طويلاً: مرآة السؤال الحقيقي عن جوهر العملية التربوية ومعناها.

غير أن الأشد إيلاماً لم يكن انتقال الدرس إلى الشاشة، ولا تحوّل السبورة إلى تطبيق إلكتروني، بل كان الصمت الذي خيّم على تلك الطاقة الخلاقة التي كانت تتنفس في أروقة المدارس وتتفجّر بين جدرانها: طاقة الإبداع في نفوس الطلاب.

فهل يموت الإبداع حين تموت المسافة بين المعلم والطالب؟ أم أنه يجد لنفسه مسارباً جديدة في وحشة الغرف المغلقة؟

الإبداع بوصفه كائناً اجتماعياً

ثمة وهمٌ راسخ في الوجدان الجمعي مفاده أن الإبداع ظاهرةٌ انعزالية، وأن العبقري يُولد وحيداً في غرفته المعتمة، يُعاني ويُبدع بعيداً عن ضجيج العالم. وهذا الوهم، على شاعريته، يُخالف ما تكشفه علوم الأعصاب وعلم النفس الاجتماعي من حقائق جوهرية.

فالإبداع في جوهره فعلٌ تفاعلي، يُولد من الاحتكاك لا من الانعزال، من التناقض لا من الوحدة الصافية. حين يُعترض على فكرة الطفل في فصله الدراسي، حين يُنازَع في رأيه أو يُتحدى في تصوره، فإن ما يبدو للوهلة الأولى مقاومةً يتحول في عمقه إلى وقودٍ إبداعي. المدرسة بأشكالها الكلاسيكية كانت شئنا أم أبينا مختبراً للتلاقح الفكري غير المقصود؛ الملاحظة العابرة من معلمٍ، والسؤال الاستفزازي من زميل، والمشروع الجماعي الذي يُجبر على التفاوض، كلها كانت تُطعّم العقل الشاب بفيروسات الإبداع غير المتوقعة.

فلما جاء التعليم عن بُعد، كان كمن سحب النار من تحت القدر ورأى المياه تتوقف عن الغليان.

ما الذي خسره الإبداع حين انتقل إلى الشاشة؟

خسارة اللحظة العفوية

المعلم الذي يرسم تلقائياً على السبورة، يقف ويُفكر بصوتٍ عالٍ، يمحو ويُعيد الرسم هذا المشهد في مجمله درسٌ في الإبداع الحي، درسٌ يُعلّم الطفل أن الفكر مسارٌ لا نتيجة، وأن الخطأ محطةٌ لا نهاية. أما الشاشة، بما تفرضه من بُعد ومسافة وترتيب مسبق، فكثيراً ما تُقدّم المعرفة مُغلّفةً مُكتملة، كأنها منتجٌ نهائي لا مغامرة ذهنية.

خسارة الجسد كأداةٍ إبداعية

الجسد في التعلم ليس مجرد وعاءٍ يحمل الدماغ إلى المدرسة. إنه أداةٌ معرفية فعلية؛ حركة اليد في الرسم، وتمثيل الشخصية في درس الأدب، وتجربة قانون الرياضيات بالمعالجة الحسية كلها تُرسّخ المعرفة في طبقات الذاكرة العميقة. التعليم عن بُعد، بطبيعته، يُهمّش الجسد ويُحوّله من فاعلٍ إلى متلقٍّ خامل خلف الشاشة.

خسارة الفضاء كمُحفّز

الفضاء المدرسي ليس بناءً محايداً؛ إنه تصميمٌ مقصود أو شبه مقصود يُعيد تشكيل الدماغ. اللوحات المُعلّقة على الجدران، الكتب المتراصة في المكتبة، زاوية المختبر ذات الرائحة المميزة كل هذه العناصر البيئية تعمل كمُنبّهات إبداعية تُحرك الدماغ نحو حالات من الاستعداد للتفكير الاستكشافي. فلما صار الفصل غرفة النوم ذاتها التي ينام فيها الطالب ويلعب فيها، اختلطت الإشارات العصبية وتشوشت حالات الاستعداد الذهني.

ما الذي أضافه التعليم عن بُعد للإبداع؟

ومع ذلك، فإن الإنصاف يُوجب الاعتراف بأن هذه المرحلة لم تكن حصاداً من الخسارة وحدها. فثمة أوجهٌ خفية من الإبداع أطلّت برأسها من بين ثنيات الأزمة:

تمكين الصوت الانطوائي

المدرسة التقليدية في بنيتها التنافسية المُعلنة كانت تُحابي النمط الاجتماعي الانبساطي؛ من يرفع يده أولاً، من يتكلم بصوتٍ أعلى، من يتفوق في التفاعل اللحظي. التعليم عن بُعد، بما أتاحه من أدوات كتابية وتأملية المنتديات، والتعليقات، والتسجيلات المُعاد إرسالها أعطى الطالب الانطوائي فرصته الحقيقية للتعبير الإبداعي غير المتعجّل.

كسر الجغرافيا الإبداعية

لأول مرة في تاريخ التعليم بمفهومه المؤسسي، أصبح بإمكان طالبٍ في قريةٍ نائية أن يستمع مباشرةً إلى محاضرةٍ في أعرق جامعات العالم، أو أن يُشارك في ورشة إبداعية يتجمع فيها طلابٌ من عشرين ثقافةً مختلفة. هذه الديمقراطية الجغرافية في الوصول إلى المعرفة والخبرة الإبداعية كانت من أكثر ثمار هذه المرحلة أهمية، وإن ظلت حبيسة الطبقات التي تملك إمكانية الوصول الرقمي.

الزمن بوصفه هديةً للإبداع

الدراسة من البيت أتاحت في بعض حالاتها الأفضل قدراً من المرونة الزمنية التي أعادت الزمن إلى صاحبه. الفيلسوف والشاعر والمخترع لا يُبدعون وفق جداول المدرسة الصارمة؛ الإبداع يحتاج إلى "وقت الفراغ الخصيب"، ذلك الزمن الظاهري الفارغ الذي يُعيد فيه الدماغ ترتيب معلوماته بلا ضغط، وينسج روابطه غير المتوقعة. الحجر المنزلي، بكل مفارقاته المؤلمة، أعاد لبعض الطلاب هذا الوقت المسروق.

المعلم بين الأزمة والتحول

وفي قلب هذه العاصفة كان المعلم، ذلك الإنسان الذي كانت المؤسسة التربوية قد حوّلته ببطءٍ إلى ناقلٍ للمعلومات لا مُضيئاً للعقول. التعليم عن بُعد وضعه أمام امتحانٍ وجودي حقيقي: ما الذي يُميّزه عن شريطٍ مُسجّل على اليوتيوب؟ ما الذي يُضيفه بوصفه إنساناً حاضراً لا آلةً ناقلة؟

في هذا الامتحان القاسي، برز المعلمون الإبداعيون كنجومٍ في ليلٍ طويل. ذاك الذي حوّل درسه إلى قصة مُتسلسلة يترقبها الطلاب كأنهم ينتظرون حلقةً من مسلسلٍ محبوب. وتلك المعلمة التي أرسلت طلابها في مهمةٍ إبداعية منزلية ثم بنت الدرس التالي على ما عادوا به. أو ذاك المعلم الذي استخدم ألعاب الفيديو التي يُحبها الطلاب دليلاً للتفكير في القيم الأخلاقية.

هؤلاء لم يُدرّسوا عن بُعد؛ بل أداروا حضوراً روحياً تخطى الشاشة.

الفجوة الإبداعية، الجرح الاجتماعي العميق

غير أن ثمة حقيقةً موجعة لا ينبغي للأدب أن يُخفيها بحُسن صياغته: الإبداع في زمن التعليم عن بُعد لم يكن متاحاً بالتساوي.

الطفل الذي يعيش في بيتٍ ضيق، تتزاحم فيه الأصوات والأجساد، والذي يشارك جهازه مع أشقائه، ويُتابع درسه وهو يُداري جوعه أو خوفه أو انزعاج أهله، هذا الطفل لم يحظَ بنفس مساحة الإبداع التي حظي بها نظيره في الغرفة الهادئة، أمام الشاشة الخاصة، المزودة بالإنترنت السريع.

التعليم عن بُعد لم يعمّق الهوة الرقمية فحسب، بل عمّق الهوة الإبداعية، وهي الأكثر خطورةً على المدى البعيد، لأن الإبداع هو الطريق الوحيد الذي يُتيح للمحروم أن يُحوّل حرمانه إلى رصيد.

ماذا علّمتنا الأزمة عن التعليم؟

لعل أهم ما كشفت عنه هذه التجربة غير المقصودة أن التعليم الحقيقي لم يكن يوماً نقلاً للمعلومات. المعلومة بالمعنى التقني باتت في متناول أي إنسان لديه هاتفٌ وإنترنت. ما يُقدمه التعليم المؤسسي في جوهره هو شيءٌ لا تستطيع الشاشة تقديمه وحدها: إنه الإطار الاجتماعي الذي يُحوّل المعلومة إلى خبرة، والخبرة إلى فهم، والفهم إلى إبداع.

التعليم عن بُعد علّمنا أن الحضور الإنساني ليس رفاهيةً تربوية، بل عنصرٌ بنيوي في تشكيل العقل الخلاق. علّمنا أن البيئة المادية للتعلم ليست خلفيةً صامتة بل مشاركٌ فعال في عملية الإبداع. وعلّمنا ربما الأهم أن أي منظومة تعليمية تُهمل الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بين طلابها لن تُنتج إلا مزيداً من اللامساواة، حتى حين تُقدّم نفسها في لباس الديمقراطية الرقمية.

الإبداع لا يموت، لكنه يبحث دائماً عن بيئة

في نهاية المطاف، لم يمُت الإبداع في زمن التعليم عن بُعد؛ لكنه تشوّه وتمطّط وتحوّل وتعرّض لاختبار قاسٍ كشف عن طاقاتٍ خفية كما كشف عن هشاشة خطيرة.

ما ينبغي أن نخرج به من هذه التجربة ليس الحنين إلى ما قبلها، ولا الانبهار المتسرع بما بعدها، بل الحكمة التركيبية التي تعرف كيف تنسج من خيوط الحضور الإنساني الدفيء ومن إمكانات التقنية الرحبة نسيجاً تعليمياً جديداً.

نسيجٌ تتسع فيه المدرسة لتكون ما كانت عليه في أجمل لحظاتها: ليست مبنىً لنقل المعرفة، بل جمهوريةً صغيرة يتعلم فيها الإنسان الصغير كيف يُفكر، وكيف يتساءل، وكيف يُبدع بغض النظر عن المسافة التي تفصله عن معلمه، وعن الشاشة التي تتوسط بينهما.

فالإبداع في نهايته ليس أداةً، ولا تقنية، ولا منهجاً؛ إنه الصوت الإنساني في أعلى درجات وضوحه.

 

 

التعليقات